ليس الفيديو الذي أظهر مؤخرًا أستاذة وهي توبخ تلميذًا بطريقة حادة، سوى مثالًا لما يحدث داخل المدرسة العمومية من تجاوزات تربوية، لا يكون الأستاذ هو بطلها في كل الحالات، بل أحيانًا حتى التلميذ، فكثيرة هي الأخبار التي أشارت إلى اعتداء تلميذ على أستاذ، بشكل يثير الكثير من الأسئلة حول الأسباب التي جعلت المنظومة التربوية المغربية تقع في هذه الانزلاقات الخطيرة.
وفي انتظار اتضاح الصورة الكاملة حول الواقعة الأخيرة، خاصة بعد إعلان وزارة التربية الوطنية فتح تحقيق حول أسباب شتم الأستاذة للتلميذ، تستعيد الأذهان جملة من الوقائع الأخرى التي كشفتها مقاطع فيديو وصور داخل وفي محيط المؤسسة التعليمية، وهي الوقائع التي تبيّن بجلاء مستوى التدهور الذي وصلت إليه المنظومة التربوية بالمغرب، إذ أن هذه الأعراض السلبية كانت متواجدة على الدوام، إلّا أن توثيقها بالصوت والصورة هو المستجد، ومن ذلك الفيديو الشهير للأستاذ الذي يسخر من تلميذة عجزت عن كتابة رقم خمسة بشكل صحيح، وفيديو آخر انتشر فقط خلال الساعات القليلة لتلامذة يسخرون من أستاذتهم ويعبثون بأغراضها الشخصية.
في هذا الإطار، يتحدث مصطفى تاج، رئيس الشبيبة المدرسية، عن أنّ انتشار مقاطع فيديو من هذا النوع، صار أمرًا عاديًا جدًا، وذلك أمام تنامي استعمال الهواتف الذكية من طرف المراهقين، مشيرًا أنه رغم عدم إمكانية تعميم الأحكام بشأن هذه المقاطع التي تبقى حالات منفردة، إلا أنها تؤكد نزول المستوى التربوي إلى الحضيض، وأن أطراف الحياة المدرسية يعيشون في توتر.
وأضاف تاج أنه صار واجبًا اليوم تصفية الأجواء داخل المدارس وإعادة الثقة للتلاميذ والأسر والأطر، فـ"ما نشاهده اليوم من تفاصيل مريرة، يجب أن يشكّل دافعًا لإصلاح عميق للمدرسة المغربية، أي للنظام التعليمي نفسه"، يقول تاج، داعيًا القائمين على القطاع إلى ضرورة التحرّك العاجل، وإلّا فالمؤشرات تنبئ بأزمة كبيرة على مستوى القيم ستصيب المغرب ككل.
ويعترف رشيد جرموني، باحث سوسيولجي، أن هذه السلوكيات غير جديدة في المدرسة المغربية، إلا أنها استفحلت في السنوات الأخيرة لعدة أسباب، منها "تدهور صورة المدرس في أذهان المتمدرسين، إذ لم تعد صورة الموجه والمربي والعلم، بل صارت صورة "البزناس" الذي يبيع خدماته التعليمية للتلاميذ"، زد على ذلك "ضعف الحس المهني عند بعض المدرسين، وتمثل مغاير لمفهوم الحرية بين المدرسين والتلاميذ" يقول جرموني.
ويضيف جرموني أن الإجراءات الإدارية ليست كافية لمواجهة هذه المعضلة الجديدة، فحتى القوانين ما تزال غير قادرة على استيعاب بعض هذه الظواهر، لذلك فالمطلوب حاليًا هو "فتح نقاش عمومي صريح يشارك فيه الجميع حول أدوار المدرسة، لأن العطب صار يصيب كل مستوياتها، خاصة مستوى التنشئة، وليس فقط مستوى التأهيل أو المعرفة".
ويستطرد جرموني بأنه صار ضروريًا كذلك تعميم مواد تربوية تتعلّق بكيفية التعامل مع النشر على الانترنت، وكذلك التفكير مستقبلاً في توظيف مساعدين اجتماعيين ونفسانيين في المدرسة المغربية، حتى وإن كان النقص حاليًا يمس الموارد البشرية الأساسية.
في الجانب الآخر، وعلاقة بفيديو الأستاذة التي تشتم تلميذها، قال يونس الراوي، أستاذ تعليم ابتدائي، إن وزارة التربية الوطنية تُسارع إلى فتح تحقيقات كلّما تعلّق الأمر بخطأ مهني ارتكبه أحد رجال أو نساء القطاع، بينما تتناسى الكم الهائل من المصائب التي يجب أن يفتح فيها تحقيق فعلي يقود إلى محاسبة المتوّرطين.
وأضاف الراوي أن الأستاذ هو الحلقة الأضعف في هذه المنظومة التربوية، وأن هناك من يترّصد مثل هذه الوقائع ويتغافل أن الأساتذة يقارب عددهم 290 ألف إطار، إذ إن هذه الوقائع تبقى شاذة وقليلة، مشيرًا أن هناك "أقلامًا مشحوذة تريد النيل من كرامة ونبل مهنة التدريس، في غفلة عن جلّ التضحيات التي يقدمها رجال ونساء التعليم عبر ربوع الوطن".
ويظهر أن هذا النقاش آخذ في الاستمرار بحكم عمق الأزمة التي تعيشها المدرسة المغربية، وصعوبة إيجاد وصفات جاهزة لهذا الإشكال، فهذه المقاطع التي تنهمر اليوم على شبكات التواصل الاجتماعي، ليست سوى مثالاً للمشاكل التي يتخبط فها التعليم المغربي منذ مدة طويلة، لدرجة أن الشاعر أحمد شوقي، كان سيتردد كثيرًا قبل أن يلقي بيته الشهير وهو يرى ما وصلت إليها العلاقة بين التلميذ والأستاذ في المغرب.
للمزيد انظموا الى صفحتنا على الفايسبوك

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق